القاضي عبد الجبار الهمذاني
79
المغني في أبواب التوحيد والعدل
في كل حال ، ومثال ذلك أن يكون فعل المكلف صلاحا له ، في بعض الأحوال ، دون بعض ، وهذا لا ننكره ، وإنما ننكر أن يكون مثله فسادا . قيل له : إنه تعالى إذا أمرض العبد في وقت فلو كان إدامة المرض صلاحا لوجب أن يفعله ، لأن المرض من الباب الّذي متى حسن وجب ، لما فيه من المصلحة ، ومتى لم يجب قبح ، على ما قدمنا القول فيه ، في باب « الآلام » ، فإذا ثبت ذلك علمنا أنه في الوقت الّذي فعله صلاح ، وفي غيره من الأوقات ليس بصلاح ، بل لو فعله لكان قبيحا ، ولكان فسادا ، وكذلك القول في العافية ، أنه تعالى قد يفعلها في أحوال ، ثم يزيلها من بعد ، ولو كان الصلاح إدامتها لما حسن أن يزيلها ؛ فكذلك القول في الغنى والفقر ؛ وهذا يسقط ما سأل عنه ، ويبين صحة ما ذكرناه أنه تعالى إنما يفعل هذه الأمور بنا لمصالحنا ، فإذا صح في أحدهما أن يختلف في الأوقات ، كما يختلف في الأعيان ، فكذلك القول في الآخر ؛ وكما يجب فيما يفعله أن يكون مجوزا في العقل ، وموقوفا على الدليل فيما يقع منه ولا يقع ، فكذلك فيما يتغير به يجب أن يكون مجوزا في العقل ، وموقوفا على الدليل ، فيما يرد به التعبد وما لا يرد ، لأن التعبد إنما يكون بالأدلة ، التي لها نقطع على أحد الجائزين ، كما أن ما يفعله إنما نقطع فيه على أحد الجائزين لثبوت فعله ؛ وما قدمناه من أنه قد صح اختلاف المصالح في المكلفين ، وأن ما اقتضى جواز ذلك فيما يقتضي جواز ذلك ، في المكلف الواحد ، في الوقتين يبين فساد قولهم في هذا الباب ؛ ألا ترى أن العقليات التي لم يصح فيها أن تختلف استوت حال المكلفين والمكلف الواحد ، في وقتين ، وما صح أن يختلف فيه فكمثل ؛ على أن الّذي جوزناه قد ثبت في الشرائع لأنها وردت مختلفة ، على ما سنبين من بعد ؛ على أن الّذي لا شبهة فيه مما يعترف القوم به يدل على ما نقوله ؛ وذلك أنه لا بدّ من